محمد أحمد خلف الله
90
الفن القصصي في القرآن الكريم
وسادسها : أنه إن كان القذف لأجل النبوّة فلم دام بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ وسابعها : أن هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض بدليل أنّا نشاهد حركتها بالعين ولو كانت قريبة من الفلك لما شاهدنا حركتها كما لم نشاهد حركات الكواكب وإذا ثبت أن هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض فكيف يقال إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك ؟ وثامنها : أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفّار حتى يتوصل الكفّار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم ؟ وتاسعها : لم لم يمنعهم اللّه ابتداء من الصعود إلى السماء حتى لا يحتاج في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب ؟ « 1 » . ولو أن الرازي فطن من أول الأمر إلى أن القرآن إنما يحارب هذه العقيدة ويحاربها بأسلوبه الخاص القائم على فكرة التدرّج وأن هذا التدرّج يشبه تماما التدرّج في التشريع في مسألة محاربة الخمر وغيرها وأن النسخ في التشريع إنما يعلّل بهذه الفكرة . لو فطن الرازي إلى كل هذا لما أتعب نفسه وأتعب غيره في هذه الوقفات الطويلة ولقال بأن القرآن إنما يأخذ الناس بتصوّراتهم وأنه في هذا الموقف قد سلم بهذه العقيدة لا لأنها حق وصدق وإنما لأنه يريد أن يهدمها تدريجيا فيسلم بها أولا ثم يأخذ في هدمها مستعينا بالزمن . أعتقد أن قد اتضح الآن أن القرآن كان يأخذ الناس بتصوّراتهم ويأخذهم بالعرف والعادة وأنه كان يفعل هنا ما كان يفعله في أمور التشريع من أخذ الناس بعاداتهم ومن تغيير هذه العادات تدريجيا الأمر الذي من أجله كان النسخ في التشريع . وأعتقد أن قد وضح أيضا أن القرآن قد قصّ في القصص التي كانت موطن الاختبار لمعرفة نبوّة النبي عليه السلام وصدق رسالته ما يعرفه أهل الكتاب عن التاريخ لا ما
--> ( 1 ) الرازي ، ج 8 ، ص 183 .